منتديات dr-Zinou

منتدى متنوع شعرنا نلتقي لنرتقي
 
الرئيسيةالرئيسية  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  

شاطر | 
 

 لغة الحوار بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية قراءة تاريخية تحليلية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
بلال
المراقبين
المراقبين



مُساهمةموضوع: لغة الحوار بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية قراءة تاريخية تحليلية   الإثنين ديسمبر 13, 2010 3:43 pm

لغة الحوار بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية
قراءة تاريخية تحليلية
:
من المهم في مثل هذه الدراسة الموجزة أن نحدد المعالم الأساسية التي كانت- ولا زالت- تحكم منهج الحوار مع الآخر، الحوار بين طرفين، مسلمين كانا أو أحدهما مسلما والآخر غير مسلم، ذلك أن تحديد هذه المعالم هو الذي يوضح لنا الفوارق الأساسية بين منهجنا في الحوار مع الآخر ومنهج الآخر في الحوار معنا، كما سيوضح لنا بطريقة عملية ركائز هذا المنهج من حيث أسلوبه وطريقته، ومن حيث الأهداف والمقاصد التي نسعى إليها من وراء هذا الحوار.
ومن الثابت تاريخيا أن الحضارة الإسلامية قد احتكت منذ فجر تاريخها بحضارات مختلفة ما بين حضارة يغلب عليها الطابع الروحي كالفارسية والهندية ، وأخرى يغلب عليها الطابع المادي ، كالحضارة اليونانية والرومانية والمصرية القديمة ، فأخذت من كل الحضارات ما رأته صالحا ونافعا ، وأضافت إليها وعدلت في بعض مفاهيمها ، وتفاعلت مع كل هذه الحضارات أخذا وعطاء، تأثيرا وتأثرا، ولا ننسى أن الفلسفة الإسلامية كانت أحد الروافد التي نفد خلالها عامل التأثر بالحضارات المختلفة ما بين هندية وفارسية ويونانية.
وكانت الفلسفة الإسلامية شأنها في ذلك شأن فروع الثقافة الإسلامية الأخرى محكومة في حوارها مع الفلسفات الأخرى بمجموعة من الضوابط العامة التي شكلت معالم هذا المنهج في الأخذ عن الآخر.
ماذا نأخذ؟ وكيف؟ ومتى؟ ولماذا؟ وهل الأخذ عن الآخر يقتضي بالضرورة محو الشخصية الإسلامية والذوبان في الآخر ، حتى لو دخلوا جحر ضب خرب لدخلناه، أم أن الأخذ عن الآخر والتأثر به لا يلزم عنه بالضرورة إلغاء الأنا في سبيل المحافظة على الآخر، بل لابد من المحافظة على الخصوصية والاحتفاظ بالهوية والذاتية ليظل الأنا هو الأنا بخصوصيته وهويته والآخر هو الآخر بمفاهيمه وملابساته وخصوصيته.
ضوابط عامة:
لقد تميز منهج الحوار الإسلامي مع الآخر خلال تاريخ الفكر الإسلامي بمجموعة من الضوابط التي جسدت الركائز الأساسية لهذا المنهج وحكمت أسلوبه ومقاصده وأهدافه ، ومن أهم هذه الضوابط:-
1- الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها كان أحق بها، فيجب عليه أن يبادر بالتقاطها وتحصيلها والإفادة منها وشكر صاحبها عليها.
2- أن لا يعرف الحق بالرجال ، وإنما يعرف الحق ثم يعرف أهله.
وهاتان القاعدتان تلقيان الضوء على أسلوب الحوار مع الآخر وكيف نتعامل معه، فلا نهتم بصاحب الرأي بقدر ما نصرف اهتمامنا وتأملنا إلى النظر في الرأي نفسه تمحيصا وتدقيقا ، وهل هو من قبيل الحكمة فيقبله المسلم ويشكر صاحبها عليها ،أم من قبيل العبثيات فيردها على صاحبها، ولا عبرة في هذا الموقف بالشخص القائل أيا كان دينه أو ثقافته، ولونه وجنسه، مادام القول في ذاته حقا والرأي حكيما، فمحور التعامل مع الآخر هو النظر في الأقوال ،والتأمل في الآراء المجردة بصرف النظر عن مكانة أصحابها وانتمائهم الثقافي والحضاري.
3- القاعدة الثالثة في هذا المنهج تتمثل في قوله تعالى: " وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر" (الكهف 29) وهذه القاعدة ليست قاصرة على مجال الدعوة إلى الله بالأسلوب الدعوي المباشر فقط ؛ لأن كل دعوة إلى الحق في أي مجال من مجالات المعرفة الإنسانية هي حلقة من حلقات الدعوة إلى الله، والمهم في ذلك أن نقول الحق ولا نكتمه ما دام حقا.
والساكت عن الحق شيطان أخرس ؛ لأن السكوت عن قول الحق نوع من المهادنة لأصحاب الباطل ؛ لأنه بذلك قد أفسح المجال أمام أصحاب القول بالباطل ،وفتح الباب لتعمية الناس وإضلالهم عن الحق قولا وفعلا وربما اعتقادا.
4- القاعدة الرابعة أن يكون هذا الحوار تجسيدا للمبدأ القرآني: " ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن " (النحل 125) وقد غاب عن الكثير أن هذا المبدأ ليس قاصرا على قضية الدعوة والدعاة حين قصروه على الدعوة بالمعنى الاصطلاحي، أنه مبدأ عام يشمل كل حوار ويرسم له حدوده ،ويبين ما يجوز وما لا يجوز، فإذا تخطى أسلوب الحوار هذا المبدأ القرآني وتجاوزه فقد نقله صاحبه من مجال الحوار المشروع إلى مجال آخر يرفضه الشرع شكلا وموضوعا ؛ لأن من ضروريات هذا المنهج مراعاة ظروف الناس ومخاطبتهم حسب مستواهم الفكري والثقافي، ومن الثابت تاريخيا أن بذر الحكمة في غير موضعها إضرار بها، ومنعها أهلها أضرار بهم ، فمراعاة هذه الفوارق بين الناس من لوازم هذا المنهج.
5- أن وظيفة الحوار لا تتوقف بالضرورة على هداية الطرف الآخر وقبوله للرأي الذي نراه ، فإن ذلك ليس باستطاعة البشر لأن هداية القلوب لتقبل الحق والانتفاع به والإذعان له أمر بيد الله وحده ، ولذلك فقد تكرر في القرآن الكريم أن الهداية القلبية ليست من وظيفة الرسل ، ولكن الله يهدى قلب من يشاء متى قدم بين يدي الله أسباب هذه الهداية ، وحتى يرفع عن الرسول الإحساس بالحرج في هذه القضية نجد القرآن يخاطب الرسول كثيرا بما يرفع عنه هذا الحرج، قال تعالى: " لست عليهم بمصيطر" (22 الغاشية) " إن عليك إلا البلاغ " (الشورى 48) " إنك لا تهدى من أحببت ولكن الله يهدى من يشاء....." (القصص 56) " إنما أنت مذكر " (الغاشية 21) وهذه الآيات الكريمة وإن كانت تتصل بقضايا العقيدة إلا أنها تعم كل أشكال الحوارين المتحاورين فإن التعرف على الحق بعد بيانه ووضوحه هو المدخل الطبيعي للاعتقاد فيه ؛ لأن الحق كل لا يتجزأ وإن تعددت أطرافه وتنوعت أشكاله.
6- تحرى موقع العدل وتحقيق العدالة مع الآخرين حتى ولو كانوا أعداء لنا ؛ لأن العدل مطلب إنساني، قال تعالى " : ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوس واتقوا الله " (المائدة Cool فأمرت الآية بوجوب مراعاة تقوى الله في الخصوم وليس مراعاة هوى النفس وتحقيق الرغبات.
ولعل وضوح هذه الضوابط في العقلية الإسلامية جعلهم متفتحين على كل الحضارات التي احتكوا بها بدون حساسيات ولا افتعال مواقف ليس بها رصيد يؤيدها من مصادر الإسلام الأولى- الكتاب والسنة- ولذلك فقد اعتقدوا أن الأخذ عن الآخر والتأثر به قد يكون مطلبا شرعيا خاضعا لأحكام الشرع وجوبا أو ندبا ، وبنفس الدرجة قد يكون رفض ما عند الآخر والتصدي له بل ومحاربته أحيانا مطلبا شرعيا خاضعا لأحكام الشرع وجوبا أو ندبا ، ومعيار ذلك كله خاضع للضوابط العامة التي أشرنا إليها آنفا، ولعل من نافلة القول أن نشير هنا إلى أن هذه الضوابط تتسع دائرتها لتغطى كل أمور الحياة اليومية للمسلم على مستوى الفرد وعلى مستوى الأمة ، وكذلك تتسع دائرتها لتشمل كل العلوم النظرية والعملية معا ، فما كان منها حقا ونافعا وجب قبوله ، وأصبح ذلك مطلبا شرعيا ، حتى ولو كانت هذه العلوم قد وفدت إلينا من الأمم الكافرة التي لا تدين بديننا، لأن نظرنا في ذلك يتوجه إلى العلم في نفسه بصرف النظر عن صاحبه ؛ لأن الحكمة ضالة المؤمن ؛ ولذلك يجب عليه قبولها شرعا ، سواء كان قائلها من أبناء ملتنا ويدين بديننا أم لا ، وقد أشار إلى هذا المعنى الفيلسوف المسلم ابن رشد في كتابه " فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال " وفصل القول فيها المفكر المسلم ابن تيمية في كتابه "الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر" فليرجع إليهما من أراد مزيدا من التفصيل في هذا الشأن.
في عصر الرسالة:
ومبدأ الحوار مع الآخر أمر قد قرره الشرع سلفا وأمر به القرآن الكريم على سبيل الوجوب أحيانا إذا كان يتصل بواجب شرعي فيكون من باب ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وقد يكون على سبيل الندب أحيانا أخرى كوسيلة من وسائل التعرف على الغير ومدخل من مداخل الدعوة إلى الله، وقد تحقق ذلك فعلا وواقعا في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم على مستوى الأمر النظري الوارد في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، كما تحقق على مستوى التطبيق العملي على يد الرسول صلى الله عليه وسلم وبأمره لصحابته.
1- فعلى المستوى النظري نجد القرآن الكريم يأمرنا بالحوار مع أهل الكتاب وفتح الجسور معهم خلال الحوار الهادف إلى بيان الحق وتوضيحه ودعوتهم إليهم حرصا على تحقيق الخير النافع للإنسان ، قال تعالى: "… يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله.. " (آل عمران 64) .
وفي مستوى تعليمي من مستويات الحوار يقول لهم: " يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده.. " (آل عمران 65) ومن المعلوم تاريخيا أن التوراة والإنجيل إنما نزلتا بعد إبراهيم عليه السلام ، فليس من المتصور عقلا أن يكون عند اليهود علم يقيني عن إبراهيم فيعتقدون صحته أو خطأه فكيف يجادلون في أمر ليس لهم به علم..؟
وقال تعالى: " قل يا أيها الكافرون * لا أعبد ما تعبدون * ولا أنتم عابدون ما أعبد* ولا أنا عابد ما عبدتم* ولا أنتم عابدون ما أعبد* لكم دينكم ولى دين " (الكافرون).
ثم يأمرنا القرآن الكريم بمراعاة المستوى العقلي والحضاري لهذا الحوار مع الآخر ، فليس القصد منه مجرد إقناع الخصم أو التغلب عليه ، وإنما هو حوار بالحكمة وبالموعظة الحسنة، وجدال بالتي هي أحسن ، وينهانا القران بأسلوب صريح وواضح لا يحتمل التأويل بألا نجادل أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن، وألا نحمل الإنسان كرها على اعتقاد أمر لا يقوم عليه دليل صحته ولا برهان صدقه، فلا إكراه في الدين وروح القرآن الكريم تسرى بين آياته على هذا النحو الصريح في توضيح معالم المنهج القرآني في أسلوب الحوار ومقاصده وأهدافه، ولابد أن يكون ذلك مشمولا ومحروسا بقلب لين هين ولسان رطب عذب الكلمات ، حتى يؤتى الحوار ثمرته ، ويصل إلى تحقيق مقاصده ، ويجسد القرآن الكريم هذا المعنى في خطابه للرسول المعلم في قوله تعالى: " ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر... " (آل عمران 159).
وفي هذا المستوى النظري التعليمي ينبهنا القرآن الكريم إلى قضية على جانب كبير من الأهمية في ترقيق القلوب وترويض العقول فلا نغمط أصحاب الحقوق حظهم حتى ، ولو كانوا يدينون بغير ملتنا ، ذلك أن الحق أحق أن يتبع ، وأولى الناس بذلك أصحاب الدعوات والمبادئ ، فالقرآن الكريم في حديثه عن أهل الكتاب يفرق لنا بين نوعين منهم ، فإذا كان فيهم الظالم والمكابر والمعاند ، فإن فيهم أيضا المنصف والعادل وأصحاب المروءة والحريص على الوفاء بالوعد ، فلا ينبغي أن نصدر حكما عاما يشمل الظالم والعادل والمنصف وصاحب الهوى قال تعالى: " ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون * يؤمنون بالله واليوم الآخر و يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين " (آل عمران 113- 114) وقال في آية أخرى: " ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما... " (آل عمران 75) وقال سبحانه في حق النصارى : " ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون " (المائدة 82) ..
هذه آيات- وفي القرآن غيرها كثير- نتعلم منها معالم المنهج القرآني ف الحوار مع الآخر فلا نغمطهم حقهم إذا كان لهم حظ في ذلك كما قال سبحانه: " ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله " (المائدة Cool هذه معالم عامة ومجملة ترشدنا إليها آيات القرآن الكريم لنتخذها مبادئ لحوارنا مع الآخر على مستوى الفكر والكلمة.
2- أما على المستوى العملي نجد أن حياة الرسول صلى الله عليه وسلم كانت المثل والقدوة في رسم معالم هذا المنهج في التعامل مع الآخر نصرانيا كان أو يهوديا أو مجوسيا، حيث كان صلى الله عليه وسلم يوضح في أمره أو نهيه أو فعله المعنى المقصود لأصحابه والهدف المنشود من التعامل مع الآخر والحوار معه.
ومن الثابت تاريخيا أن أول هجرة للمسلمين من مكة طلبا للحماية وأملا في الجوار الآمن كانت إلى الحبشة، وكان ملكها النجاشي نصرانيا، وأوضح الرسول صلى الله عليه وسلم لصحابته هذا المعنى النبيل الذي اختار لأجله الهجرة إلى الحبشة دون غيرها فقال لصحابته:" اذهبوا إلى أرض الحبشة فإن بها ملكا لا يظلم أحد عنده" فإن العدل الذي افتقده المسلمون الأوائل في مكة جعلهم يطلبونه عند النجاشي النصراني هربا من الظلم الذي حاق بهم في بلدهم مكة ، فخرجوا منها سرا طلبا للعدل ، وهربا من الظلم ، وكان النجاشي هو ذلك الملك العادل الذي كفل لهم الحماية من بطش طواغيت مكة ، ولم يجد الرسول في ذلك شيئا من الحساسية التي قد يظنها البعض من أصحاب النظرة القاصرة عائقا تحول دون التعامل مع النجاشي بدعوى أنه غير مسلم ، فكيف نلجأ إليه ونطلب الحماية منه ، ولم يدر ذلك بخلد الرسول أبدا ، ولم يرفضه أحد من صحابته بدعوى أنه نصراني ، والذي يقرأ ذلك الحوار الرائع الذي أجراه النجاشي مع المهاجرين يدرك تماما عظمة الرسول في ذلك الاختيار للنجاشي ليكون هو النموذج للملك العادل الذي يحتمي عنده حملة لواء الدعوة الإسلامية في أول عهدها ، فلقد أبان هذا الحوار عن حصافة النجاشي ورجاحة عقله ونبل مقصده من هذا الحوار الذي أجراه مع المهاجرين بزعامة جعفر بن أبى طالب، فإن من يدرك طبيعة الأسئلة التي كان يطرحها النجاشي على الصحابي الجليل جعفر بن أبى طالب والإجابات التي كان يسمعها منه يعلم تماما أن الحوار الذي دار بينهما كان نموذجا رائعا فكرا وثقافة وحضارة، لأن الإنصاف ونشدان الحق كانا هدفا للجميع ، حيث كان الحق مقصده وهدفه، وليس التعصب والمعاندة والمكابرة ، ولذلك فقد شرح الله صدر النجاشي للإسلام ومات مسلما ، وقيل : إن الرسول صلى الله عليه وسلم لما علم بوفاته صلى عليه وأمر أصحابه بالصلاة عليه وقال لهم: "صلوا على أخ لكم مات بأرض الحبشة ، أو كما قال صلى الله عليه وسلم " راجع زاد المعاد في هدى خير العباد لابن القيم 1 / 45 ط الحلبي.
هذا الموقف يعد نموذجا لكيفية التعامل مع الآخر ؛ لأن الطرفين كان الحق رائدهما والهدف النبيل غاية لهما، فكان حب النجاشي للعدل وكراهيته للظلم دافعا لأن يأمر الرسول صحابته بالهجرة إليه دون غيره، وفي سبيل ذلك قد تحمل المهاجرون كثيرا من المصاعب والمشاق لينعموا بالعدل المفقود في بلادهم ، ولم نسمع من واحد من المهاجرين أنه تردد في تنفيذ الأمر بالهجرة إلى النجاشي بدعوى أنه نصراني ، أو أنه غير مسلم..
3- ومن الثابت تاريخيا أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد اتخذ دليلا له في هجرته إلى المدينة "ابن أريقط " ولم يكن مسلما.
4- وأنه قبل الهدية من المقوقس عظيم الأقباط في مصر ، وكانت هذه الهدية هي " مارية القبطية" التي بنى بها وأنجب منها ولده إبراهيم ، ولم يرفض الرسول هذه الهدية بدعوى أنها جاءته من غير المسلم ، بل تقبلها قبولا حسنا ، وأوصى بأقباط مصر خيرا.
ومن الثابت تاريخيا أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد مات ودرعه مرهونة عند يهودي نظير دين له ، ومن يتتبع سيرة الرسول وصحابته سيجد كثيرا من المواقف النموذجية لأسلوب راق من التعامل اليومي مع غير المسلمين بلا حساسيات ولا تعصب ولا تحامق ، وكان هذا الأسلوب الرفيع في التعامل وسيلة من وسائل الدعوة إلى الله، وقدوة للغير لكي يتأسى بهم في ذلك ، كما قال تعالى: " لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة " (الأحزاب 21).
في العصرين الأموي والعباسي:
ولقد تطور أسلوب الحوار ومنهجه في عصر بني أمية من حيث المقاصد والغايات من جانب ، ومن حيث المنهج والأسلوب من جانب آخر.
وتشهد أسباب نشأة علم الكلام عهدا جديدا للحوار مع الآخر ، يختلف في طبيعته وخصائصه عن عصر النبوة والخلافة الرائدة ، ذلك أن اعتناق شعوب كثيرة للإسلام مختلفة في ثقافتها وحضارتها مختلفة في الملل والأديان التي تركتها قد فتح مجالات كثيرة لنوع آخر من الحوار يختلف في مقاصده ووسائله عن ذي قبل.
فالعقيدة الإسلامية بمسائلها وأركانها قد تطرقت إليها سهام التشكيك والنيل منها لأهداف معروفة ومدونة في كتب علم الكلام وتاريخه، ونشأ في ظل ذلك المناخ حركة جدلية عنيفة تعبر عن أزمة الخصومة بين مفكري الإسلام وأهل الملل الأخرى أحيانا ، وأهل النحل الباطلة في دائرة الحضارة الإسلامية أحيانا أخرى ، ولعل قراءة سريعة لعناوين المباحث المدونة في كتب علم الكلام تقفنا على طبيعة هذا الحوار ، وعنف هذه الخصومة ، فلا يخلو كتاب من كتب علم الكلام من الرد على الوثنية والمجوس والقدرية والدهرية والنصارى واليهود والفلاسفة الملاحدة.. وهذه كلها تمثل جبهات أشبه بجبهات الحرب المعلنة ضد الإسلام في عقيدته وشريعته، والموضوعات التي مثلت هذه المعارك شملت مسائل العقيدة الإسلامية كلها ، فجرى الجدال حول الله ذاته وصفاته، القدر، النبوة والوحي، اليوم الآخر ومسائل البعث، كما تناول قضية المعرفة وسائلها وحدودها.
ولقد أدرك مفكرو الإسلام الأوائل الهدف المقصود من هذه الحملة فحشدوا لها جهدهم الفكري والعقلي ،وقصدوا لها تفنيدا وإبطالا بالحجج والبراهين ،حفاظا منهم على بقاء العقيدة الإسلامية نقية سليمة من التشويش والتلبيس، وهم في سبيل ذلك لم يكتفوا في حوارهم مع الآخر بالوقوف عند حدود النص كتابا أو سنة وإنما استعاروا من خصومهم نفس الأسلحة التي بارزوهم بها، فاستعملوا البرهان المنطقي وقياس الطرد والعكس وبرهان الخلف والإلزام، ولم يروا في ذلك حرجا ولا مذمة شرعية أو عقلية ؛ لأن ذلك حق في نفسه ، بصرف النظر عمن قاله أو إلى من ينسب ، وما دام هو حقا في نفسه فلا ضرر عليهم في قبوله والتعامل به مع خصومهم ، ووضعت في ذلك مؤلفات مستقلة تحمل عنوان الرد والإبطال ، سواء كانت هذه الكتب ردا على المخالفين في الملة ن مثل الكتب التي تحمل عنوان "الرد على النصارى"، " إفحام اليهود " " الجواب الصحيح " "هداية الحيارى"، أو كانت ردا على المخالفين في النحلة ، وإن وافقوا في الملة ، مثل الرد على الجهمية، الرد على المعطلة الخ، وكل هذه المؤلفات ما تأثر منها بالرافد الثقافي وما لم يتأثر كان هدفها واضحا وصريحا ،وتمثل ذلك في أمرين:
1- الدفاع عن العقيدة الإسلامية والخوف عليها من التشويش والتشكيك.
2- والحفاظ على الهوية الإسلامية والخصوصية العربية من الذوبان والتلاشي ، وكان إصرارهم على هذين الأمرين عاملا مهما في الحفاظ على خصوصية الحضارة الإسلامية وهويتها.
وفي نطاق الفلسفة الإسلامية- خاصة المشائية- نجد أن كبار مفكريها قد تأثروا بالفلسفات السابقة عليهم ، فأخذوا من اليونانية والأفلوطينية الحديثة ،واستعاروا من الغنوص المسيحي ، وخاصة بعد عصر الترجمة من اليونانية والفارسية وأبنائها، ومن الثابت تاريخيا أن الفارابي تعلم في مدارس حران على يد إبراهيم قويري النصراني، وابن سينا لم يفهم أرسطو إلا من خلال الفارابي ، وابن رشد عرف بالشارح الأكبر لأرسطو ، ورغم هذا التأثر الواضح بالفلسفة اليونانية ومفاهيمها إلا أنهم جميعا كانوا عربا يعتزون بعروبتهم مسلمين يدينون بالولاء والاعتزاز بإسلامهم ، فابن سينا وهو من أكثر فلاسفة الإسلام تأثرا باليونانية يصرح بأن هذا الدين- الإسلام- قد اعترف بجلالته حكماء العالم قاطبة ، وكذلك من قبله الفارابي ومن بعده ابن رشد ، فلم يتنكروا لعروبتهم ولا لدينهم ، وإنما كان ذلك مصدر اعتزاز لهم جميعا ،ومصدر فخر يعتزون بانتمائهم إلي العروبة ثقافة وإلى الإسلام دينا.
ولقد شهدت هذه الفترة أكبر حركة في النقل والترجمة من اليونانية والفارسية إلي اللغة العربية ، وأن هذه الحركة التي لم يشهد التاريخ مثلها قد تمت في حراسة المبدأ الشرعي "الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها كان أحق بها" ولا شك أن ما تم ترجمته خلال هذه الحركة كان منه ما يخضع للمبدأ السابق ،وكان منه ما يشذ عنه ،ولذلك كانت استجابة العقلية الإسلامية للمترجمات مختلفة ومتنوعة ، فما كان منها خاضعا لهذا المبدأ السابق قبلوه وانتفعوا به وحمدوا صاحبه، وما كان منها شاذا عنه رفضوه ونبهوا إليه وحذروا منه ، ولذلك سرعان ما تميز عندهم الأعمال المترجمة التي تدخل تحت مفهوم الحكمة فقبلوها وتواصوا بها ، ونادوا بضرورة تعلمها وتعليمها كالطبيعات والرياضيات وعلوم الفلك والهندسة والطب والكيمياء ، ونبغ في هذه العلوم مجموعة من كبار العلماء العالميين الذين مازالت البشرية تدين لهم بالفضل والسبق في هذه العلوم إلى يومنا هذا ، واعتقد أن الموقف الذي نحن بصدده غني عن الشرح وضرب الأمثلة وذكر الأسماء التي يذخر بها معاجم هذه العلوم موضحا دور المسلمين فيها، فكلنا على علم به وبالعلماء الأجلاء الذين أرادوا هذا الطريق ، كابن الهيثم وابن النفيس والرازي ، وأيضا ابن سينا الطبيب ، وابن رشد الطبيب ، والخوارزمي ، وجابر بن حيان... الخ.
أما مجموعة العلوم الأخرى التي لم يجد فيها المسلمون مضمونا عقليا مقنعا ولا تندرج تحت مفهوم الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها كان أحق بها فكان للعقلية الإسلامية منها موقف مختلف عن سابقه ويتدرج تحت هذا النوع من العلوم ما نقل عن اليونان من المفاهيم والآراء حول الله، والكون، والإنسان، والميتافزيقا ، فقد كان الخطأ فيها أكثر من الصواب ، كما صرح بذلك الغزالي في تهافت الفلاسفة والمنقذ من الضلال ،ولذلك تحفظ المسلمون في قبولها ،وحذروا من الكثير منها ،وأرى أن المنبه إلى الفرق بين موقف المسلمين من مجموعة العلوم الأولى وموقفهم من مجموعة العلوم الثانية مهم جدا بل وضروري، خاصة في زماننا هذا الذي اختلطت فيه الأوراق، والتبست المفاهيم على العقول، فلم تفرق بين الأسود والأبيض عن قصد أو غير قصد، مما جعل المثقف المعاصر يعيش حياته العقلية في دائرة مغلقة لا يدرى من أين يبدأ وإلى أين ينتهي فإن الذي اهتم به المسلمون وتواصوا به هو مجموعة العلوم التي يمكن أن تسمى بلغة عصرنا علوم التكنولوجيا والتقنيات التي هي محور التقدم والتخلف الآن ،والتي كان انتقالها إلى أوروبا بمثابة الشعلة التي أضاعت لها ظلمات عصرها وأخرجتها من كهف التخلف والخرافة إلي نور العلم والمدنية، وكانت هذه العلوم بمثابة الكنز الثمين الذي اكتشفه المسلمون وقدموه للعالم فأنار لها الطريق إلى ريادة عصر جديد لم يكن للبشرية عهد به ،وهو المسمى بعصر النهضة.
وإذا كان دور المسلمين واضحا في حوارهم مع الآخر خلال هذه المجموعة من العلوم العملية ،والتي تسمى بلغة عصرنا علوم التكنولوجيا والتقنيات فإن دورهم خلال مجموعة العلوم الأخرى- وأقصد بها العلوم الحكمية- الفلسفية- ليس أقل من ذلك، بل كان عطاؤهم فيها واضحا ، وسأضرب لذلك مثلا واحدا بفيلسوف قرطبة ابن رشد ودوره في بعث النهضة الأوربية، وابن سينا وكتابه "القانون في الطب" وابن النفيس والرازي والخوارزمي وابن الهيثم وابن حيان وغيرهم كثير في مجالات شتى مما لا يتسع المقام لذكره هنا.
ومن الجدير بالذكر أن ننبه هنا إلى أن الحوار الذي امتد عبر قرون طويلة بين الحضارة الإسلامية وغيرها من الحضارات الأخرى كان يتميز بالندية في الأخذ والعطاء، ومن المعلوم أن الحضارة الإسلامية في هذه المرحلة كانت هي الأقوى وهى المنتصرة ، لكنها لم تسمح في حوارها مع الغير أن تكون لغتها فوقية استعلائية ، بحيث تشعر الآخر بالدونية ، كما هو حاصل في الحضارة الغربية الآن ،وكما هو شأن المتحدثين باسمها والداعين إلى تبنيها والنسج على منوالها.
كانت الحضارة الإسلامية أبان انتصاراتها تتلمس مواطن العلم النافع عن الغير فتفيد منه وتدعو إليه ، وتبحث عن الفكرة الصحيحة تتبناها وتتمثلها في الحياة اليومية العملية، وقد تعيد إخراجها إلى الناس في ثوبها الإسلامي الجديد وفي لغتها العربية الواضحة، وفي روح قرآنية متسامحة تعم بتسامحها البلاد التي خضعت لسلطاتها ثقافيا وحضاريا، ولعل في حضارة المسلمين في أسبانيا غربا وفي تركيا شمالا وفي بلاد فارس والهند شرقا خير دليل على ذلك.
ولقد تجلت روح هذه الحضارة في أمرين مهمين جدا يتصل كل منهما بالحوار مع الآخر في منهجه وفي أهدافه ومقاصده:-
الأمر الأول: الروح الإسلامية العامة التي تبناها الفكر الإسلامي ، ودعا إليها في فلسفته للعلوم العملية، التي نقلها العرب عن الغير وفي تحليلهم لهذه العلوم وتفسيرهم للعلاقات المتبادلة بين الأسباب والمسببات ، فالأسباب عندهم فاعلة كما أخبر بذلك القرآن الكريم في أكثر من آية وأكد عليها.
قال تعالى: " وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها " (النمل 60) " وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شيء.. " (الأنعام: 99( وقال سبحانه: " ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب " (النحل 11) ..
كل هذه الآيات وغيرها كثير في القرآن الكريم يتحدث عن الأسباب الطبيعية في الكون ، فالآيات هنا تتحدث عن العلاقات السببية ، وهذه الباء (به) هي باء السببية كما هو معروف في اللغة ونحوها، وكذلك يتحدث القرآن عن الأسباب الإنسانية في أفعال الإنسان نفسه ليضع الإنسان في مواجهة مباشرة مع مسئوليته عن فعله قال تعالى: " كل نفس بما كسبت رهينة " (المدثر 38) " فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره " (الزلزلة 7- Cool .
وإيمانهم بارتباط الأسباب بمسبباتها في الأفعال الطبيعية وثبات هذه العلاقة واطرادها لم يمنعهم من الإيمان بأن الأسباب ليست فاعلة بذاتها وإنما بفعل الله فيها ، وقد منح الله هذه الأسباب قوة التأثير وثبات هذه القوة واطرادها ليستقر نظام العالم ، وتكون له صفة الثبات والاطراد ، ولم ير المسلمون تناقضا عقليا يبين الإيمان بفعل الأسباب والإيمان بأن مصدر هذه القوة الفاعلة هو الله وليست الأسباب بذاتها ؛لأن ذلك لا يحمل معنى التناقض العقلي كما يتوهم ذلك البعض ، ولا يدعو ذلك إلى التنكر للعلم ، ،بل يدعو إلى الإيمان به والأخذ بنتائجه ، وتفصيل القول في ذلك له مقام آخر.
أما الأمر الثاني: الذي تميزت به لغة الحوار هو حسن توظيف المسلمين للعلم ونتائجه والإفادة من معطياته وتسخيرها لخدمة الإنسان وتأمين حاضره ومستقبله، وذلك أن قضية استخلاف الإنسان في الأرض يرتبط بها مباشرة حسن تسخير الكون واكتشاف قوانينه والعمل على عمارته ، وتسخير ذلك كله في النهاية لخدمة الإنسان، كما قال تعالى: "هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا" (البقرة 29) " وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه " (الجاثية 13).
ولقد ترتب على سيادة هذه الروح العامة وسيطرتها على لغة الحوار مع الآخر في فلسفة العلم وفي حسن توظيفه أن نعمت البلاد التي فتحها المسلمون شرقا وغربا بهذا الوافد الجديد، ولم يقف أمامهم إلا صاحب ملك يخاف على سلطاته ، أو صاحب هوى متسلط على الغير ، وهذان الأمران هما محور الخلاف ومحك الصراع بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية بين فلسفة الإسلام للعلم وحسن توظيفه ، وفلسفة الغرب للعلم وسوء توظيفه، وبالتالي فهما يفسران لنا جوهر الصراع بين الحضارتين، نعم هنا بؤرة الصراع بين الحضارتين، فلسفة العلم وتحليله وحسن توظيفه، لقد ظلت الحضارة الإسلامية تظلل العالم بروحها المؤمنة قرونا طويلة ، حفرت خلالها خصائص هذه الحضارة بأحرف من نور في شتى بقاع العالم الذي حلت فيها ، في فارس والهند شرقا ، وفي بلاد الشام وأوروبا شمالا ،وفي الأندلس وشمال أفريقيا غربا ، ونشرت في ربوع هذه البلاد قيما ومعاني نعم بها أهلها فترة طويلة من الزمان، فعرفوا التسامح والعدل والإنصاف بعد أن شقوا أزمانا طويلة بالظلم والتعصب والطغيان.
أفول هنا وازدهار هناك:
ثم دار الزمان دورته، وأخذ الغرب بعلمائه ومفكريه يتشرب روح هذه الحضارة ويتعلم منها، وأخذت مقاليد الأمور تنتقل رويدا رويدا من أيدي المسلمين إلى غيرهم، وأخذ نجم الحضارة الإسلامية في الأفول ليحل محلها حضارة جديدة بروح جديدة تختلف في فلسفتها للعلوم وتوظيفها للعلم عن الحضارة الإسلامية، وواكب ذلك التحول الحضاري ظهور أنماط جديدة من القيم الاجتماعية والثقافية في أوروبا، فلقد تحولت المسيحية على يد مجموعة من ملوك أوروبا وعلمائها إلى روح صليبية لا تمت بأي سبب إلى النصرانية التي نزلت على عيسى عليه السلام ولا يربطها رابط بتعاليم المسيح عليه السلام، فالمسيحية التي بشر بها عيسى عليه السلام، حب، وتسامح، وتواضع، وسكينة نفس، أما الصليبية الجديدة فهي حقد وتعصب واستكبار وطغيان، ولقد تجسد هذا التحول الخطير الذي طرأ على المسيحية في مجموعة من الحملات الصليبية التي بدأ بها الغرب حروبه الصليبية على العالم الإسلامي في العصور الوسطى ، والتي مازالت نيرانها لم تطفأ بعد مع تعدد الأشكال وتنوع الحملات، ولعل ما يجري في البوسنة والهرسك في وقتنا الحاضر من حروب التصفية والإبادة الجماعية للمسلمين والتواطؤ العالمي مع الصرب ضد المسلمين وما يقوم به الروس في الشيشان أقول لعل في ذلك كله دليلا على أن هذه الحروب الصليبية لم تخمد نارها بعد، رغم اختلاف أشكالها وتنوع حملاتها وتعدد مواقعها.
استطاعت أوربا أن تحتل معظم البلاد العربية والإسلامية خلال القرنين الماضين، وأن تفرض سلطانها الثقافي ومفاهيمها الحضارية على المؤسسات الثقافية في البلاد التي احتلتها، فأخذت المفاهيم الأوروبية في الفلسفة والاجتماع والتاريخ والاقتصاد والقانون والتربية وعلم النفس تحل محل المفاهيم الإسلامية التي كانت سائدة في هذه البلاد، وأرادت أوروبا أن تجعل من هذه المفاهيم- وهى محلية إقليمية أوروبية ذات صبغة خاصة- مفاهيم عالمية ينبغي أن تذعن لها عقول جميع المفكرين شرقا وغربا ، وبمنطق فوقي استعلائي استعماري متكبر، ولجأت إلى أساليب رخيصة لفرض هيمنتها الثقافية على عقول البلاد التي استعمرتها لبسط نفوذها الثقافي ورفعت سلاح التشهير بكل من عارضها أو قاوم نفوذها الاستعمارى ، ومن حقنا أن نشير هنا إلى بعض المقارنات بين لغة المسلمين في حوارهم مع الآخر يوم أن كان المسلمون أصحاب الكلمة الحضارية في العالم ولغة الآخر في حواره معنا الآن بعد أن انتقلت لغة الحوار إلى أرضهم..
1- إن لغة الحوار الإسلامي كانت هي الكلمة الرشيدة " ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن " (النحل 125) " لكم دينكم ولى دين" (الكافرون 6) " تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم" (آل عمران 64) أما لغة الآخر مع المسلمين فكانت هي الرصاص والصاروخ والمدفع.
2- كانت لغة المسلمين حضارية في الأسلوب والمنهج- تحرير العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد أما لغة الآخر فكانت القتل والتنكيل والحرق والإبادة.
3- - كانت لغة المسلمين تملأ الأرض عدلا " متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا " أما لغة الآخر فكانت تجسيدا للظلم والطغيان.
4- - كانت لغة المسلمين تشع بالرحمة والسكينة والود والإخاء " لكم مالنا وعليكم ما علينا" أما لغة الآخر فكانت مملوءة بالقسوة والعنف والاستكبار والاستعلاء ، ولا يتسع المقام هنا للتفصيل في بيان ذلك- ولكن أكتفي هنا بأن أدعو دعاة التغريب في بلادنا أن يراجعوا أنفسهم ليدركوا الفرق بين لغة الحضارتين في الحوار.
ومن خلال النظرة المقارنة البسيطة بين ما فعلته أوروبا في العالم إبان ما يسمى بعصر النهضة وحتى الآن يتبين لنا مجموعة من الحقائق التي يؤكدها التاريخ:
1- فإذا كان ثوار أوروبا قد حرروا الفلاح هناك من رق العبودية ، فقد سلكوا عشرات الملايين في أفريقيا والهند في سلم العبودية والرق.
2- إذا كانوا قد رفعوا شعار الحرية في بلادهم فقد حكموا بالعبودية على الملونين في قارات العالم.
3- إذا كانوا قد رفعوا شعار الديمقراطية في بلادهم فقد أحكموا قبضة الدكتاتورية الغاشمة على شعوب العالم الثالث، فاستغلوا شعوبه ونهبوا ثرواته، وأصبح العالم في ظل هذه الحضارة أشبه بالغابة التي لا تسمح بالعيش فيها إلا للأقوياء ، وترتب على ذلك إن سادت المفاهيم والفلسفات الغربية ، وأصبح العلم في لغة الحضارة الأوربية يختلف في فلسفته التحليلية وفي توظيفه عن فلسفته وتوظيفه في لغة الحضارة الإسلامية ، فانقطع مسار العلم في فلسفته هناك عن خالقه وتحولت وظيفته من خدمة الإنسان إلى خدمة طائفة معينة وقليلة على حساب بقية شعوب العالم كله، ولما ازدهرت في أوروبا عوامل نهضتها وتراجع زحف الحضارة الإسلامية تبدلت لغة الحوار بين الشرق والغرب في الأسلوب والمنهج، وفي الأهداف والمقاصد، وفي مطلع القرن العشرين وبعد أن أحكمت أوروبا قبضتها على العالم الإسلامي أعلن مفكروها ما كان يدور بينهم في الخفاء ، وصرحوا بما كانوا يضمرونه للعالم الإسلامي ، ولن أذهب بعيدا في توضيح هذه القضية التي لا تحتاج إلى اجتهاد أو إعمال ذهن ، وإنما سأقتبس بعض النصوص لكبار المفكرين في أوروبا في مطلع هذا القرن ، وسوف توضح لنا هذه النصوص لغة الغرب في حواره معنا وأهدافه ومقاصده من محاورتنا، يقول المفكر الفرنسى هانوتو بعد احتلال فرنسا للجزائر مباشرة: لقد أصبحنا اليوم أمام الإسلام والمسألة الإسلامية وجها لوجه، وكانت هذه العبارة عنوانا لمقال كبير نشر مترجما بالعربية في جريدة المؤيد المصرية، وتولى الرد عليه جمال الدين الأفغاني في رسالته الرد على الدهريين ،ومما جاء في هذا المقال: إنه لا يوجد مكان على ظهر الأرض إلا واجتاز الإسلام فيه حدوده منتشرا في الآفاق فهو الدين الوحيد الذي أمكن انتحال الناس له زمرا وأفواجا ، وهو الدين الوحيد الذي يفوق شدة الميل إليه والتدين به كل ميل إلى اعتناق دين سواه ، إن هذا الدين قائم الدعائم ثابت الأركان في أوروبا عينها.
ثم يقول: " لقد صارت فرنسا في صلة مع الإسلام في كل مكان ، بل صارت في صدر الإسلام وكبده ليس الإسلام في داخلنا فقط بل في خارجنا أيضا، قريب منا في مراكش ،قريب منا في طرابلس الغرب، قريب منا في مصر.. ولا يزال الهلال الإسلامي ينتهي طرفاه من جهة بمدينة القسطنطينية ومن جهة ببلدة فاس في المغرب الأقصى معانقا بذلك الغرب كله.. إن هذا الدين القائم في الأستانة حيث عجزت المسيحية عن استئصاله من هذا الركن المنيع الذي يحكم منه على البحار الشرقية ،ويفصل الدول الغربية بعضها عن بعض شطرين ، أنه لابد من العمل على تفكيك تلك الرابطة التي تجمع بين المسلمين شرقا وغربا على سطح المعمورة فتجعل منهم أمة واحدة وهى رابطة الدين، لابد من العمل على إضعاف تلك الروح التي تحرك المسلمين من سباتهم، إن رابطة الإخاء الجامعة بين أفراد المسلمين شرقا وغربا كفيلة بأن تجعل المسلم في شرق الأرض يهب لنصرة المسلم في غربها فهي عامل مؤرق لفرنسا في المستعمرات الذي تخضع لها"
هذا النص يحمل في كلماته أهداف ومقاصد الغرب كله من حواره معنا وليست فرنسا وحدها، وليس هانوتو إلا واحدا من المشتغلين بحوار الغرب مع الشرق، قد تختلف العبارة والأسلوب ، أما الهدف والمقصد فكان ولا يزال محل اتفاق بينهم جميعا ، ولقد أشار الإمام محمد عبده إلى هذا الخطر الاستعماري المحدق بالمسلمين في مطلع هذا القرن ، وحذر مما يبيت للمسلمين في الخفاء ، ويحاك لهم في العلن حين قال:-
إن الإفرنج تأكد لديهم أن أقوى رابطة بين المسلمين إنما هي الرابطة الدينية، وأدركوا أن قوتهم لا تكون إلا بالعصبية الاعتقادية،ولأولئك الإفرنج مطامع في ديار المسلمين وأوطانهم، فتوجهت عنايتهم إلى بث هذه الأفكار الساقطة بين أرباب الديانة الإسلامية، وزينوا لهم هجر هذه الصلة المقدسة وفصم حبالها، لينقضوا بذلك بناء الملة الإسلامية ويمزقوها شيعا وأحزابا، فإنهم علموا كما علمنا، وعلم العقلاء أجمعون أن المسلمين لا يعرفون لهم جنسية إلا في دينهم واعتقادهم ، وتسنى للمفسدين نجاح في بعض الأقطار الإسلامية، وتبعهم بعض الغفل من المسلمين جهلا وتقليدا فساعدهم على التنفير من العصبية الدينية بعد ما نقدوها ، ولم يستبدلوا بها رابطة الجنس (الوطنية) التي يبالغون في تعظيمها واحترامها حمقا منهم وسفاهة، فمثلهم كمثل من هدم بيته قبل أن يهيئ لنفسه مسكنا سواه ، فنذر للإقامة بالعراء معرضا لفواعل الجو وما تصول به.
هذا أسلوب من السياسة الأوربية أجادت الدول اختياره وجنت ثمارها ، فأخذت به الشرقيين لتنال مطامعها فيهم، فكثير من تلك الدول نصبت الحبائل في البلاد العثمانية والمصرية وغيرهما من المماليك الإسلامية، ولم تعدم صيدا من الأمراء والمنتسبين إلى العلم والمدنية الجديدة، واستعملتهم آلة في بلوغ مقاصدها من بلادهم، وليس عجبنا من الدهريين والزنادقة ممن يتسترون بلباس الإسلام أن يميلوا مع هذه الأهواء الباطلة ، ولكنا نعجب من أن بعضا من سذج المسلمين مع بقائهم على عقائدهم وثباتهم في إيمانهم يسفكون الكلام في ذم التعصب الديني، ويجهـرون في رمى المتعصبين بالخشونة، والبعد عن معدات المدنية الحاضرة، ولا يعلم أولئك المسلمون أنهم بهذا يشقون عصاهم ويفسدون شأنهم، ويخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المارقين، يطلبون محو التعصب المعتدل، وفي محوه محو الملة ودفعها إلى أيدي الأجانب يستعبدونها ما دامت الأرض أرضا والسماء سماء، والله ما عجبنا من هؤلاء وهؤلاء بأشد من العجب لأحوال الغربيين من الأمم الإفرنجية الذين يفرغون وسعهم لنشر هذه الأفكار بين الشرقيين، ولا يخجلون من تبشيع التعصب الديني ورمى المتعصبين بالخشونة، والإفرنج أشد الناس في هذا النوع من التعصب وأكثرهم على القيام بدواعيه ومن القواعد الأساسية في حكوماتهم السياسية الدفاع عن دعاة الدين والقائمين بنشره ومساعدتهم على نجاح أعمالهم، هذا الهدف المعلن صراحة من حوارهم معنا بلا خجل ولا التواء.
إن من حقنا تاريخيا وحضاريا أن نطلب المقارنة بين أهداف ومقاصد حوارنا مع الغرب يوم أن كانت الحضارة الإسلامية تظللهم بروحها السمحة ومقاصدها النبيلة ومقاصدهم وأهدافهم من حوارهم معنا الآن، أليس من حقنا أن نقارن بين ما فعله عمر بن الخطاب يوم أن دخل بيت المقدس وكتب معاهدة الصلح بينه وبين الروم وما تفعله الصليبية المعاصرة معنا الآن؟ ألم يطلب عمر من الجنود ألا يهدموا كنائسـهم ولا معابدهم؟ أليس من حقنا أن نقرأ آداب الجهاد في الإسلام وكيف كان الرسول يوصي صحابته ألا يقتلوا شيخا هرما ولا امرأة ولا طفلا ولا يحرقوا بيتا ولا زرعا ولا مستأمنا ، ونقارن هذا بما فعلته فرنسا المتحضرة في الجزائر يوم أن كتب هانوتو هذا المقال مبينا أهدافه من حواره مع المسلمين.....؟
وإذا كان هذا هو موقف هانوتو وأهدافه من حواره مع الإسلام في مطلع هذا القرن فماذا كان حظ أصحاب الحوار بالكلمة في المؤتمرات العديدة التي عقدت خصيصا بقصد احتواء العالم الإسلامي شرقا وغربا؟ لقد عقد مؤتمر في القدس سنة 1935م تحت حماية بريطانيا وبرئاسة المستشرق زويمر الذي افتتح المؤتمر التبشيري بخطبته التاريخية التي جاء فيها: أيها الإخوان الأبطال الذين كتب الله لهم الجهاد في سبيل المسيحية واستعمارها لبلاد الإسلام فأحاطتكم عناية الرب.. لقد أديتم الأمانة التي نيطت بكم أحسن أداء إنني أقركم أن الذين دخلوا المسيحية من المسلمين ليسوا مسلمين حقيقين، لقد كانوا كما قلتم أحد ثلاثة: إما صغير لم يجد من أهله من يعرفه الإسلام، أو رجل مستخف بالأديان لا يهتم إلا بقوته ولقمة العيش، أو ثالث يبغى الوصول إلى مصلحة شخصية ، وإن المهمة التي ندبتكم لها دول المسيحية في البلاد المحمدية ليست هي إدخال المسلمين في المسيحية فإن هذا هداية وتكريما لهم ، وإنما مهمتكم أن تخرجوا المسلم من دينه ليصبح مخلوقا لا صلة له بالله ،وبالتالي لا صلة له تربطه بالأخلاق التي تعتمد عليها الأمم في بناء حياتها ، وبهذا تكونون بعملكم هذا طليعة الفتح الاستعماري في البلاد الإسلامية ، وهذا ما قمتم به في المائة عام الماضية خير قيام ،وهذا ما أهنئكم وتهنئكم عليه المسيحية، لقد قبضنا أيها الإخوان خلال هذه الحقبة من الدهر على جميع برامج التعليم في الممالك الإسلامية ، ونشرنا في ربوع تلك البلاد الكنائس والمدارس المسيحية التي تهيمن عليها دول أوروبا وأمريكا.
أيها الزملاء: لقد أعددتم في بلاد المسلمين شبابا لا يعرفون الصلة بالله ولا يريدون أن يعرفوها وأخرجتم بعضهم من الإسلام ، ولم تدخلوه في المسيحية وبالتالي جاء النشء طبقا لما رسمه له الاستعمار ،لا يهتم بالعظائم من الأمور ،ويحب الراحة والكسل ،ولا هم له في دنياه إلا الحصول على الشهوات.. باركتكم المسيحية ،ورضي عنكم الاستعمار، فاستمروا في أداء رسالتكم.. لقد أصبحتم موضع بركات الرب .
" هذه نماذج قليلة مما كان يقصده الآخر من حواره معنا في مطلع هذا القرن، أما في وقتنا هذا فمن المفيد أن ننبه هنا إلى أن أحداث عصرنا السياسية محكومة إلى حد كبير بمذاهب فلسفية ومنطلقات فكرية تنير لها طريقها نحو تحقيق أهدافها وبلوغ غايتها، والذي يتأمل خريطة العالم السياسية الآن لا يجد قوة عسكرية شرقا أو غربا ، إلا وهى محكومة في رسم سياستها بمذهب فكرى ومنطق فلسفي يبرر لها سياستها في هذا العالم ، سواء أعلنت ذلك صراحة أم لم تعلنه، فالكتلة الشرقية ظلت تنفذ سياستها في شرق الكرة الأرضية طيلة هذا القرن وهى محكومة بمنطقها الفلسفي الذي جسدته الشيوعية على أرض الواقع التي احتلتها ،وجعلتها حقول تجارب للفلسفة الماركسية ،حتى خربتها وجعلتها أثرا بعد عين، ونفس السياسة قد انتهجتها أوروبا وأمريكا وفي المستعمرات الخاضعة لهما، أما الصهيونية العالمية وما فعلته على مستوى النظر والتطبيق فكان أخطر من هذا وذاك، ذلك أن أقطاب الفكر الصهيونى استطاعوا أن يتسللوا إلى مواقع التأثير في اتخاذ القرار السياسي في بلاد كثيرة من أقطار العالم، وجعلوا من أصحاب القرارات أدوات ينفذون بها إرادة الصهيونية السياسية في بلادهم حينا بوسائل الترغيب وأحيانا كثيرة بوسائل القهر والترهيب.
ومن تصاريف الأقدار الغريبة- وأنا أعد هذه الدراسة طالعتنا صحيفة الأهرام في 27/ 3/996 1م في المقال اليومي للأستاذ أحمد بهجت بعنوان "التاريخ المسافر" حيث كتب معلقا على كتاب المفاوضات السرية بين العرب وإسرائيل للأستاذ حسنين هيكل استهله ببيت من الشعر لأحمد شوقي ينعي فيه سقوط الأندلس بقوله:
يا أخت أندلس عليك سلام ** هوت الخلافة عنك والإسلام
ثم قال معلقا على قول أمير الشعراء:
أدرك أحمد شوقي بحس الفنان العلاقة بين سقوط الخلافة العثمانية وسقوط الأندلس، وأن سقوط الخلافة كان كارثة لا تقل في خطورتها عن كارثة سقوط الأندلس حين سقطت ، وأباد الغرب كل من كان فيها من المسلمين واليهود على سواء ، ثم أخذ يتساءل الأستاذ أحمد بهجت عن العلاقة بين كتاب المفاوضات السرية بين العرب وإسرائيل الذي كتبه الأستاذ محمد حسنين هيكل وسقوط الخلافة العثمانية وسقوط الأندلس فيما مضى من التاريخ وسقوط القدس حاليا ليكتشف في الإجابة عن سؤاله أن السبب في هذه الكوارث الثلاثة واحد ويجسده في قوله :هو الابتعاد عن روح الإسلام ومحاولة الاحتفاظ بشكله ومظهره والابتعاد عن روحه وجوهره، وهذا إنما تم وأصبح واقعا بسبب هجرة العقول من منطق الحكمة إلى فوضى الحماقة ، ومن التوحد والتجمع إلى التمزق والتشرذم، وتفريط الملوك والحكام، وقهر الشعوب وحجب المعلومات الصحيحة عنها، والكذب عليها، والاتصال بالعدو ، بل والتحالف معه أحيانا، كل هذه الأسباب يعتبرها الأستاذ محمد حسنين هيكل في كتابه كأسباب للكوارث الثلاثة التي حاقت بالأمة الإسلامية، سقوط الأندلس، سقوط الخلافة، سقوط القدس، وكل هذه الكوارث إنما وقعت بناء على منهج مرسوم يتحاور الغرب من خلاله معنا ؛ لأنه عرف كيف يتعامل معنا وكيف فهمنا، وكيف فهمناه، كيف عاملنا، وكيف عاملناه ، على مستوى النظر والكلمة أولا ثم على مستوى الاحتكاك والواقع العملي ثانيا، كيف تعامل معنا ومن أي مذهب فكري وعقيدي كان ينطلق في تعامله معنا؟ وكيف تعاملنا معه ؟ وما هو المنطلق الفكر والعقائدي من تعاملنا معه؟
ولعل من المفيد أن نضع تحت يد القارئ الوثيقة التاريخية التالية لنابليون بونابرت التي كتبها في شكل نداء موجه إلى يهود العالم حاثا لهم على انتزاع أرض فلسطين من أيدي العرب تنفيذا لفكر معين يؤمن به وفلسفة عنصرية يدين بها في تعامله مع الشرق بدأها نابليون بقوله: "من نابليون بونابرت القائد الأعلى للقوات المسلحة للجمهورية الفرنسية في أفريقيا وآسيا إلى ورثة فلسطين الشرعيين. أيها الإسرائيليون، أيها الشعب الفريد، الذي لم تستطع قوى الفتح والطغيان أن تسلبه نسبه ووجوده القومي، وإن كانت قد سلبته أرض الأجداد فقط.
إن مراقبي مصائر الشعوب الواعين المحايدين- وإن لم تكن لهم مقدرة الأنبياء مثل أشعياء ويوئيل- قد أدركوا ما تنبأ به هؤلاء بإيمانهم الرفيع أن عبيد الله (كلمة إسرائيل في اللغة العبرية تعني أسير ال
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
لغة الحوار بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية قراءة تاريخية تحليلية
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات dr-Zinou :: المنتديات الإسلامية على مذهب السنة والشريغة :: المنتدى الإسلامي العام-
انتقل الى: